مجمع البحوث الاسلامية

486

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إيجاد الارتباك في المفاهيم ، بالانحراف بها عن مدلولها الحقيقيّ ، لإفساح المجال لفتنة المسلمين عن دينهم باسم الدّين . ولذلك كانوا يتّبعون المتشابه ، لا اتّباع العمل والهدى ، بل اتّباع الفرصة السّانحة لتنفيذ المخطّط الضّالّ ، لأنّه هو الّذي يمكّنهم من الفتنة بما يفتحه أمامهم من مجالات التّفسير الّذي لا تسمح به الآيات المحكمة لما تشتمل عليه من الوضوح . ولعلّ ما تقدّم من ذكر أسباب النّزول ، بمناسبة الكلام على الآيات 1 - 6 ، يوضح الصّورة ، فقد نستوحي من القصّة ، أنّ هؤلاء كانوا يحاولون أن يختاروا من آيات القرآن ، الآيات الّتي تتحدّث عن عيسى بأنّه روح اللّه ، وبأنّه كلمة اللّه الّتي ألقاها إلى مريم ، ونحو ذلك ، ممّا يمكن أن يترك لهم مجالا بأن يلبسوا الأمر على البسطاء في ما تعنيه هذه الكلمات من وجود جزء من الألوهيّة في ذاته ، أو ما أشبه هذا من التّأويلات والتّعليلات . وهذا هو شأن كلّ صاحب فكرة أو عقيدة ، فإنّه يحاول أن يجرّ الآخرين إليه من خلال الاستفادة من بعض الكلمات الّتي تسمح بالتّفسير الفضفاض الّذي يقف الإنسان معه عند حدّ معيّن واضح ، لتضليلهم عن الحقّ ، باسم آيات الحقّ . وهذا هو الّذي أوجب الاختلاف في المذاهب الإسلاميّة في الجبر والتّفويض والتّجسيم ، ورؤية اللّه وغيرها من المفاهيم الّتي وقعت مجالا للنّزاع بين المسلمين ، فحاول كلّ فريق أن يستفيد من بعض الآيات القرآنيّة الّتي قد تفسّر على هذا النّحو أو ذاك ، في ما يلائم اللّفظ من تفسير . وهذا ما عبّر عنه الإمام عليّ عليه السّلام في بعض كلامه : « لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه » . نموذج الرّاسخين في العلم : أمّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، هؤلاء الّذين أعطاهم اللّه الرّؤية الواضحة للأشياء ، فإنّ شأنهم شأن العلماء الّذين لا يصدرون حكما في موضوع إلّا بعد التّدبّر والتّأمّل والبحث والتّدقيق في جميع وجوهه ، الأمر الّذي يجعلهم يقارنون بين مفهوم وآخر ، وبين نصّ هنا ونصّ هناك ، ممّا قد يوحي بالتّنافي والتّنافر ، فيحاولون الجمع بينهما من خلال اكتشاف الحقائق الأساسيّة الواضحة ، وإرجاع كلّ الأمور والنّصوص الأخرى إليها في عمليّة تفسير للفظ على الأسس الفنّيّة للكلام ، بحيث لا تبتعد عن القواعد العربيّة ، ولا تنحرف عن المفهوم السّائد في فهم المعنى من اللّفظ ، وبذلك لا يكون التّأويل حملا للفظ على خلاف ظاهره بالطّريقة الّتي تحوّل الكلام إلى ما يشبه الأدب الرّمزيّ الّذي لا يكون اللّفظ فيه قالبا للمعنى ، بل يكون التّأويل إرجاعا للفظ إلى معناه ، في ما يزعمه هؤلاء من تأويلات الباطل عندما يرجعونه إلى معانيه الباطلة ، أو في ما توحي به الآيات الأخرى الواضحة الدّلالة في ما تقرّره من حقائق العقيدة والحياة ، وما يكتشفه الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ من معناه الّذي علّمهم اللّه إيّاه . وبهذا يقترب من معنى التّفسير الّذي يضع اللّفظ في موقعه من حيث دلالته على المعنى الّذي لا يختلف مع المعنى الآخر الحقيقيّ . [ ثمّ أدام البحث في التّأويل وأضاف : ]